أحمد مصطفى المراغي

138

تفسير المراغي

وبما حدث من فتنة السامري لبنى إسرائيل ورجوع موسى إليهم غضبان أسفا ، ثم معاقبته لهم على ما صنعوا ، ثم ذكر الحيلة التي فعلها السامري حين أخرج لهم من حليهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى ، فرد اللّه عليهم ووبخهم بأن هذا العجل لا يجيبهم إذا سألوه ، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا في دينهم ولا دنياهم . الإيضاح ( وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى ؟ ) المراد بالقوم النقباء السبعون ، وإعجاله عنهم تقدمه عليهم ، أي أىّ شئ عجّل بك عن قومك ، وجعلك تتقدمهم ؟ . والمراد الإنكار عليه في تقدمه عليهم ، لأن ذلك يقتضى إغفال أمرهم وعدم العناية بهم ، مع أنه مأمور باستصحابهم وإحضارهم معه ، وإنكار للعجلة في ذاتها أيضا ، ولا سيما من أولى العزم الذين يجدر بهم مزيد الجزم . ( قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي ) أي قال موسى مجيبا ربه : هم أولاء بالقرب منى آتون على أثرى ، وما تقدمتهم إلا بخطإ يسيرة لا يعتدّ بها ، وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة ، يتقدم بها بعض الرفقة على بعض . ( وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى ) أي وعجلت إليك رب لتزداد عنى رضا ، بالمسارعة إلى امتثال أمرك ، والوفاء بعهدك . وخلاصة معذرته - إني اجتهدت أن أتقدم قومي بخطإ يسيرة ، ظنا منى أن مثل ذلك لا ينكر ، فأخطأت في اجتهادي ، وقد حملني على ذلك طلب الزيادة في مرضاتك ، وكأنه عليه السلام يقول : إنما أغفلت هذا الأمر مبادرة إلى رضاك ومسارعة إلى الميعاد ، والموعود بما يسرّ يود لو ركب أجنحة الطير ليحظى بما يبتغى ويريد . ( قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ ) أي قال : إنا قد اختبرنا قومك الذين خلفتهم مع هارون من بعد فراقك . قال ابن الأنباري : صيّرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل